عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

120

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

يحتاج إليه إلا وقد جاء به ، فلا يجد الذي يأتي بعده من الكمل شيئا مما ينبغي أنه ينبه عليه إلا وقد فعل صلّى اللّه عليه وسلم ذلك فيتبعه هذا الكامل كما نبه عليه ويصير تابعا ، فانقطع حكم نبوّة التشريع بعده ، وكان محمد صلّى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين ، لأنه جاء بالكمال ولم يجيء أحد بذلك ، فلو أمر موسى عليه السلام بإبلاغ اللوحين المختصين به لما كان يبعث عيسى من بعده ، لأن عيسى صلّى اللّه عليه وسلم بلغ سرّ ذينك اللوحين إلى قومه ، ولهذا من أوّل قدم ظهر عيسى بالقدرة والربوبية وهو كلامه في المهد وأبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى ونسخ دين موسى لأنه أتى بما لم يأت به موسى ، لكنه لما أظهر أحكام ذلك ضلّ قومه من بعده فعبدوه وقالوا : إنه ثالث ثلاثة ، وهو الأب والأم والابن ، وسموا ذلك بالأقانيم الثلاثة وافترق قومه على ذلك ؛ فمنهم من قال إنه ابن اللّه وهؤلاء المسمّون بالملكانية من قومه ، ومنهم من قال إنه اللّه نزل وأخذ ابن آدم وعاد ، يعني تصور بصورة آدم ثم رجع إلى تعاليه ، وهؤلاء هم المسمون باليعاقبة في قوم عيسى ، ومنهم من قال إن اللّه في نفسه عبارة عن ثلاثة ، عن أب وهو الروح القدس . وأم وهي مريم ، وابن وهو عيسى عليه السلام ، فضلّ قوم عيسى ، لأن جميع ما اعتقدوه لم يكن مما جاء به عيسى ، لأن مفهومهم لظاهر أمرهم أدّاهم إلى ما صاروا عليه ، ولهذا لما سأل اللّه عيسى فقال له : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قالَ : سُبْحانَكَ « 1 » قدم التنزيه في هذا التشبيه ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ يعني كيف أنسب المغايرة بيني وبينك فأقول لهم اعبدوني من دون اللّه وأنت عين حقيقتي وذاتي وأنا عين حقيقتك وذاتك فلا مغايرة بيني وبينك ، فنزّه عيسى نفسه عما اعتقده قومه ، لأنهم اعتقدوا مطلق التشبيه فقط بغير التنزيه وليس هذا بحق اللّه ، ثم قال : إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ يعني من نسبة الحقيقة العيسوية أنها اللّه فَقَدْ عَلِمْتَهُ يعني أني لم أقله إلا على الجمع بين التنزيه والتشبيه وظهور الواحد في الكثرة ، لكنهم ضلوا بمفهومهم ولم يكن مفهومهم مرادي تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي يعني هل كان ما اعتقدوه مرادي فيما بلغت إليه من ظهور الحقيقة الإلهية أم كان مرادي بخلاف ذلك وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ يعني بلغت ذلك إليهم ، ولا أعلم ما في نفسك من أن تضلهم عن الهدى ، فلو كنت أعلم ذلك لما بلغت إليهم شيئا مما يضلهم إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ وأنا لا أعلم الغيوب

--> ( 1 ) آية ( 116 ) سورة المائدة .